صديق الحسيني القنوجي البخاري

459

فتح البيان في مقاصد القرآن

بأستار الكعبة فلم يحل لأحد بعد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يفعل فيها حراما حرمه اللّه فأحل اللّه ما صنع بأهل مكة ، وعنه فيها قال أنت يا محمد يحل لك أن تقاتل فيه وأما غيرك فلا . وعن أبي برزة الأسلمي قال : « نزلت هذه الآية فيّ خرجت فوجدت عبد اللّه بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة فضربت عنقه بين الركن والمقام » أخرجه ابن مردويه . وقوله : وَوالِدٍ وَما وَلَدَ عطف على البلد قال قتادة ومجاهد والضحاك والحسن وأبو صالح : ووالد أي آدم وما ولد أي وما تناسل من ولده ، ومثله عن ابن عباس . وأقسم بهم لأنهم أعجب ما خلق اللّه على وجه الأرض لما فيهم من البيان والعقل والتدبير ، واستخراج العلوم ، وفيهم الأنبياء والأولياء والصالحون والدعاة إلى اللّه والانتصار لدينه ، وكل ما في الأرض من مخلوق لأجلهم ، وأمر الملائكة بالسجود لآدم وعلمه الأسماء كلها ، فيكون قد أقسم بجميع الآدميين صالحهم وطالحهم . وقيل هو قسم بآدم والصالحين من ذريته ، وأما الطالحون فكأنهم ليسوا من أولاده وكأنهم بهائم ، وفائدة التنكير في والِدٍ التعجب والمدح ، قاله الرازي . وقال أبو عمران الجوني « الوالد » إبراهيم عليه السلام وَما وَلَدَ ذريته ، قال الفراء إن ما عبارة عن الناس كقوله : ما طابَ لَكُمْ [ النساء : 3 ] وقيل الوالد إبراهيم والولد إسماعيل ومحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وقال عكرمة وسعيد بن جبير وَوالِدٍ يعني الذي ولد له وَما وَلَدَ يعني العاقر الذي لا يولد له وكأنهما جعلا ما نافية هو بعيد ولا يصح ذلك إلا بإضمار الموصول أي ووالد والذي ما ولد ولا يجوز اضمار الموصول عند البصريين ، وقال عطية العوفي هو عام في كل والد ومولود من جميع الحيوانات واختار هذا ابن جرير . وعن ابن عباس « الوالد » الذي يلد وَما وَلَدَ العاقر لا يلد من الرجال والنساء ، وقد استدل بعض الجهال بهذه الآية على جواز الاحتفال لمولده صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا تحريف لمعاني كتاب اللّه لم يذهب إليه أحد من المفسرين بل هو خلاف إجماع المسلمين . لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ هذا جواب القسم ، والإنسان هو هذا النوع الإنساني والكبد الشدة والمشقة ، يقال كابدت الأمر قاسيت شدته ، والإنسان لا يزال في مكابدة الدنيا ومقاساة شدائدها حتى يموت . قال ذو النون : لم يزل مربوطا بحبل القضاء ، مدعوا إلى الائتمار والانتهاء ، وأصل الكبد الشدة ومنه تكبد اللبن إذا اشتد وغلظ ، ويقال كبد الرجل إذا وجعت كبده ثم استعمل في كل مشقة وشدة ، قال الحسن يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة وقال أيضا يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء لا يخلو عن أحدهما .